سهيلة عبد الباعث الترجمان
451
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فهذه الدلالات يقرّ بها الشهود إذ لا ثبات للعبد على حال واحدة ، فتارة يكون في حكم الوجود ، وطورا في مقام الشهود ، فلا استقرار له على حال معينة ، لهذا فإن العبد يرى اختلاف عينه بحسب ما يتجلى عليه الحق في صور مختلفة ، وهذا تبعا للحال المتغيّر ، فلا ثبات في الوجود إذن مع تقلب الأحوال وتبدّلها ، ويصور ابن عربي تقلبه في الأحوال وعدم ثباته على حال واحد لتنوع تجليات الحق عليه فيقول : لك العتبى أقلني من وجودي * ومن حكم التحقق بالشهود لقد أصبحت قبله كل شيء * وقد أمسيت أطلب السجود عجبت لحالتي ، إذ قال كوني * أن عين المسوّد والمسود فإما أن تميزني إماما * وإما أن أميّز في العبيد لقد لعبت بنا أيدي الخفايا * خفايا العين في غيب الوجود « 1 » وهكذا يتضح لنا من اتجاهات ابن عربي في مذهبه وحدة الوجود وكذلك قوله بوحدة الشهود أن القائلين بوحدة الوجود مرادهم بها وحدة الشهود لا غير ، والفناء عنده يعقبه صحو يعود فيه العبد إلى حقيقة وجوده بعد فنائه عن هذا الوجود ، وقد صنّف هؤلاء الصاحين من الصالحين ، فرأى أن منهم من يصحو بربه ، ومنهم من يصحو بنفسه . فالصاحي بربه لا يؤخذ بشيء غيره ، فلا يخاطب في صحوه إلا ربه ، ولا يسمع إلّا منه ، فلا تقع له عين إلّا على ربه في جميع الموجودات ، ورؤيته هذه تكون على أحد مقامين : فهو إما أن يرى الحق من وراء حجاب الأشياء بطريق الإحاطة كقوله تعالى : وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ « 2 » ، وإما أن يرى الحق عين الأشياء « 3 » وهذا روح مذهبه في الوحدة من حيث قوله : " بأن اللّه عين الأشياء ، لذا فإنه يرى في رجال اللّه أنهم على فئتين : أحدهما يرى الحق عين الأشياء من حيث ما هو قابل لحكم الصوّر وأحكامها ، لا من حيث عين الصور ، فإن الصور هي من جملة أحكام الأعيان الثابتة " « 4 » . ومن هنا
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 435 . ( 2 ) سورة البروج ، الآية : 20 ك . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 721 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 721 .